مايو 25, 2021 | Dorette Besser

حساسية النزاعات – دحض الأساطير

يمكن للعون، سواء كان إنسانياً أو تنموياً، أن يغذي التوترات أو النزاعات القائمة، أو حتى أسوأ من ذلك، أن يخلق توترات جديدة. لماذا؟ لأننا غالبًا ما نقوم بإدخال الموارد في البيئات التي توجد فيها توترات بين المجموعات، وعدم مساواة، وندرة في الموارد. لذلك، يمكن أن يؤدي العون المقدّم من دون فهم للسياق إلى زيادة التوترات عن غير قصد.

نحن في وحدة حساسية النزاعات، نعمل مع نظام العون في السودان لمساعدته على أن يصبح أكثر حساسية للنزاعات، أو بعبارة أخرى، أكثر وعيًا بسياقه وتأثيره على هذا السياق، وأكثر قدرة على التكيف لتعزيز التأثير الإيجابي على النزاعات و دينامياتها قدر الإمكان.

في دوراتنا التدريبية وتفاعلاتنا مع العاملين في مجال العون من مختلف الأطياف، نسمع الكثير من الأفكار حول ما هي حساسية النزاعات و ما  ليس بذلك، بعض هذه الأمور صحيحاً وبعضها يحتاج إلى القليل من التصحيح.

في هذه المدونة، نقوم بدحض بعض أكثر الأساطير شيوعًا حول حساسية النزاعات.

الأسطورة الأولى: النزاعات دائمًا سيئة.

هذه أسطورة منتشرة! ومع ذلك، يخبرنا التاريخ أن معظم – أن لم تكن كل –  حركات العدالة الاجتماعية الكبرى في العالم ظهرت من خلال النزاعات. لقد غيرت الاستجابات السلمية أو غير العنيفة للنزاعات حياة الملايين، وربما المليارات، إلى الأفضل – ولدى السودان بعض الدروس التي يمكن أن يقدمها في هذا الشأن. يعد النزاع أمراً طبيعياً، وهو جزء من كل علاقة بين الأشخاص، وداخل المجموعة، وبين المجموعات – وسيظل معنا دائمًا. وهذا ليس ما يشكو منه. إن هدفنا في حساسية النزاعات ليس منعها، بل الاعتراف بها والسعي إلى إحداث تأثير بناء – أو على الأقل تأثير غير سلبي – عليها من خلال عملنا.

الأسطورة الثانية: حساسية النزاعات  تماثل إدارة المخاطر

تسعى إدارة المخاطر إلى تحديد وإدارة أو تخفيف المخاطر التي يتعرض لها مشروع أو برنامج ما. ويشمل المخاطر التي يتعرض لها موظفو المنظمة وعملياتها وسمعتها وبرامجها وشؤونها المالية.

وفي المقابل تنظر حساسية النزاعات إلى كيفية تأثير المشروع على النزاعات المحيطة بنا، وتسعى إلى تقليل وتخفيف المخاطروالأضرار التي قد نتسبب فيها،  و تقليل احتمالية المساهمة في هذه النزاعات. من الممكن ان نقول أن حساسية النزاعات تعني إننا يجب أن نتقدم في اتجاه جعل برامجنا تساهم فعليًا في تقوية المجتمعات و تحقيق السلام.

وهذا يعني أنه يتعين علينا أن نتخطى  قياس ما إذا كان موظفونا ومشاريعنا قد تتعرض للتهديد بسبب نزاع عنيف، و بالمقابل النظر فيما إذا كنا نؤثر على ديناميكيات النزاع وكيفية ذلك. يتضمن هذا الإجراء معرفة السياق الخاص بالفرد (انظر أيضًا دورة سياق السودان التي سيتم تدشينها في وقت لاحق من شهر يونيو) ومن ثم القدرة على التصرف بمرونة بناءً على هذا التحليل من أجل تقليل أي ضرر يحتمل أن يلحق بالمجتمعات التي نعمل فيها.

 

 

الأسطورة الثالثة: حساسية النزاعات مخصصة فقط لبناة السلام:

حساسية النزاعات ليست فقط لبناة السلام!  بل تشمل جميع العاملين في مجال بناء السلام والعون الإنساني والتنمية ومنظمات العون. إذا كنت من ممارسي العون الإنساني الحساس للنزاعات، فإنك تفهم السياق الذي تعمل فيه وتراقبه بانتظام من خلال أشكال مختلفة من تحليل النزاعات مثل تلك التي ذكرناها أعلاه.

هنالك مجموعة من الطرق للتعامل مع النزاعات. فمن ناحية، هناك إدارة المخاطر، التي تسعى فقط إلى توجيه وحماية المنظمة وموظفيها من الضرر الناجم عن النزاع. ومن ناحية أخرى، هناك بناء السلام، الذي يسعى جاهداً للعمل بشكل مباشر على الأسباب الجذرية للنزاعات من خلال تحديد ومعالجة الديناميات الاجتماعية والسياسية الضارة الممنهجة. وتعزيز حوار المناصرة بين الجهات الفاعلة.

وتقع حساسية النزاعات في منطقة ما بين هذه الطرق. فمن ناحية، فهي تنظر إلى ما هو أبعد من المخاطر والفرص التي قد تؤثر على عمليات التدخل (انظر الأسطورة الثانية). ومع ذلك، فإن طموحاتها أدنى من برامج بناء السلام، المخصصة لكشف الأسباب الجذرية الشائكة للنزاع. وبدلا من ذلك، تتضمن حساسية النزاعات فهم كيف يمكن للتدخلات الإنسانية والتنموية أن تؤدي إلى نزاعات جديدة أو قائمة أو تحافظ عليها، و في حالة أكثر طموحا، تكييف البرامج لتغذية التأثيرات الإيجابية مثل المساهمة في التماسك الاجتماعي.

الأسطورة الرابعة: حساسية النزاعات تتطلب الحياد دائمًا:

إن الحياد هو أحد المبادئ الإنسانية المهمة، رغم أنه مستحيل. غالبًا ما يكون الانحياز إلى أحد الجانبين – أو الظهور بمظهر المتحيز – في نزاع سياسي مستمر، طريقة مؤكدة لتفاقم الخلافات وتقويض الثقة في مؤسستك أو مشروعك. ومع ذلك، في بعض الأحيان تتعارض مبادئنا مع بعضها البعض، ونجد أنفسنا في مواقف لا يمكننا فيها أن نكون محايدين وملتزمين بالاستجابة للاحتياجات أينما نراها. هناك أيضًا بعض القيم والأفكار التي تلتزم بها منظمات الإغاثة بصورة كبيرة، سواء كان ذلك يتعلق بالمساواة بين الجنسين أو القضاء على الفقر، وهو ما يمكن أن يشكل تحديًا لثروة أو نفوذ الآخرين في المجتمع ويثير الانتقادات.

ويتطلب الدخول في هذا النوع من المعضلات، الموازنة بين الالتزامات والمصالح، وإدارة المخاطر. ومن المهم أن ندرك أن العديد من المآزق تضع مطالب أو مخاطر قصيرة المدى في مواجهة أهداف طويلة المدى يمكن أن تساهم في إحداث تغيير دائم وإيجابي. ومن خلال تبني حساسية النزاعات، لن يصبح اتخاذ هذه القرارات أسهل. ومع ذلك، ستكون مستعدًا ومطلعًا بشكل أفضل عند القيام بذلك.

الأسطورة الخامسة: حساسية النزاعات تتعارض مع الحساسية تجاه النوع الاجتماعي

إن تعزيز المساواة بين الجنسين من الممكن أن يثير ردود فعل ضارة في بعض الأماكن، وخاصة في المجتمعات الأبوية الأكثر تحفظاً. يمكن أن يكون رد الفعل العنيف هذا ضارًا بالمشروع، وبالأفراد المشاركين والمجتمعات، وخاصة النساء والفتيات، في المنطقة المحيطة. وفي الوقت نفسه، من خلال الالتفاف حول أوجه عدم المساواة العميقة والمظالم مثل تلك التي تساهم في النزاعات، يمكن أن تنتهي التدخلات إلى حجبها أو حتى إدامتها. من الصعب جدًا التعامل مع مثل هذه المقايضات، لكن فقط من خلال إدراكها وفهمها يمكننا الاستجابة بالطريقة الأكثر فائدة.

تلعب المعايير الجنسانية وعدم المساواة دورًا حاسمًا في النزاعات في السودان و العديد من الأماكن الأخرى، على سبيل المثال، يُنظر إلى الشباب على أنهم المدافعون عن المجتمع ويتم الضغط عليهم من قبل النساء والزعماء للقتال. ونتيجة لذلك، فإنهم يشعرون في كثير من الأحيان أنه لا مكان لهم في عملية صنع السلام. وفي الوقت نفسه، تلعب النساء والفتيات أدوارًا مختلفة في النزاعات، حيث يعملن في بعض الأحيان كصانعات للسلام وفي أحيان أخرى كمخربات أو محرضات.

تطلعات:

إن حساسية النزاعات ليست سهلة أو واضحة. يتطلب تفعيل المنهج المراعي لحساسية النزاعات إجراء تغييرات في السلوك الشخصي وطرق العمل المؤسسية. ولا يعد تنفيذ منهج يراعي النزاعات مسؤولية موظفي البرنامج فحسب، بل يتطلب موافقة الإدارة ودعمًا نشطًا إذا أريد تحقيق تغيير حقيقي.

والخبر السار هو أن المساعدات لديها أيضًا القدرة على تعزيز التماسك الاجتماعي، وتحويل النزاع الاجتماعي، وتضخيم الفوائد المقصودة من تدخلاتنا إذا طبقنا منظورنا الحساس للنزاعات على جميع مجالات عملياتنا، وإذا قمنا بتغيير مواقفنا وسلوكياتنا حول تقديم العون الإنساني الحساس للنزاع .

تم أخذ الكثير من المعلومات الموجودة في هذه المدونة من دليل حساسية النزاعات ل CSRF و  مقدمة سيفر ورلد للمناهج الحساسة للنزاع في مجال التنمية والعون الإنساني و بناء السلام.

قم بالإشتراك للحصول على آخر التحديثات

تقوم نشرات التنوير الشهرية ومجموعات الواتساب للتعلم من الأقران بتسليط الضوء على التحليل العملي والفعاليات ذات الصلة بالإضافة إلى وجهات النظر المتنوعة من أجل مساعدة الجميع في تحسين المعونة المقدمة للمجتمعات

عنوان البريد الإلكتروني
الإسم الأول
رقم الهاتف
أود الإطلاع على: