
المقدمة
مع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، بات الوضع الإنساني بالغ السوء. اذ يحتاج أكثر من نصف السكان الآن إلى مساعدات إنسانية، وغالبًا ما تُوصَف البلاد بأنها أكبر أزمة إنسانية في العالم. وتُظهر الأبحاث أن الدعم الدولي لمواجهة الأزمة لا يمثل سوى جزء بسيطٍ من موارد أوسعَ لا تراها المنظومة الإنسانية الرسمية ولا «تحتسبُها». ونظرًا لانخفاض التمويل الدولي ومحدودية الوصول الميداني، اضطرت المجتمعات السودانية إلى الاعتماد على منظومات دعمِها الذاتية. وقد أصبح النفير والشبكات الاجتماعية الأوسع (شبكات التضامن الاجتماعي)،العمودَ الفقريَّ للاستجابة الإنسانية في السودان. وبينما يتحدث القطاعُ الانساني عن “إعادة هيكلة القطاع” والحاجة لمزيد من”التوطين”، لا يدرك إلا قلّةٌ قليلةٌ مصادرَ الاستجابة «العضوية» للمجتمع السوداني للأزمة. إن فهم هذه الآليات الأصيلة أمرٌ حاسم للانتقال من مجرد الدعوة إلى الشراكات المحلية إلى تكييف مناهجنا للعمل معها بفاعلية.ت
فهم النفير وصلات القرابة: منظور مقارن
النفير هو تقليد سوداني للتعبئة الجماعية. وهو يعني حرفيًا “نداء للتعبئة”، إذ يجمع الجيران وأفراد المجتمع معًا لتلبية حاجة مشتركة أو الاستجابة لأزمة.. عادة ما يكون العمل تلقائيًا ولا مركزيًا، ويعتمد على التعاون بشدة، وله جذورٌ تاريخيةٌ عميقة. فعلى سبيل المثال، كانت المجتمعات الريفية تنفُر لحصاد المحصول أو بناء منزل، وقد أُعيد إحياؤه أيضًا في الأزمات الحديثة.لا يوجد عادةً تسلسل هرمي رسمي للنفير؛ إذ يطلق أحدهم ببساطة «نداءً» للمساعدة فيستجيب الناس متبرعين بالعمالة أو المواد أو الأموال حسب الحاجة. على سبيل المثال، في الأيام الأولى للحرب الحالية، حشدت المجتمعات في ولاية الجزيرة جهودها لاستقبال الأسر النازحة من الخرطوم ومساعدتِها، وقد انتشرت الصور ومقاطع الفيديو لسكان الولاية وهم يقدمون العون للقادمين على قارعة الطريق.ل
إلى جانب التعبئة المجتمعية الواسعة، يعتمد الأفراد على الروابط العائلية والقبلية كشبكات أمان غير رسمية. في أوقات الشدة أو الأزمات، يلجأ السودانيون أولاً إلى عائلاتهم الممتدة وقبائلهم أو حتى دوائر معارفهم طلبًا للمساعدة. على سبيل المثال،عندما اندلعت الحرب، وجد العديد من الفارين من الخرطوم مأوى لدى أقاربهم في في المناطق الأكثر أمانًا. كما قام المغتربون في الخارج بإرسال الأموال إلى ذويهم، وجمعت المجموعات المجتمعية الموارد لدعم المتضررين. حتى الأصدقاء والجيران السابقون استضافوا النازحين في بعض الحالات. وغالبًا ما تمثل المساعدة من الأصدقاء أو الجيران في المناطق الآمنة أول خطوط الدعم. وبما أن هذه علاقات راسخة تقوم على الثقة، فإنها تستجيب بسرعة لتوفير المأوى والغذاء والدعم المعنوي من دون انتظار لمساعدة خارجية. وحتى خارج نطاق الأزمات، فإن التضامن قيمة متأصلة في الثقافة السودانية، حيث يعد استضافة الضيوف ومساندة الشبكات الاجتماعية المحتاجة جزءًا أصيلًا من الموروث السوداني. وتعمل هذه الشبكات الأسرية والاجتماعية بمرونة، فتوسّع نطاق دعمها عندما تكون منظومة المساعدات الرسمية والدولة في حالة ارتباك أو غير قادرة على الوصول إلى المجتمعات. ل
في حين أن “النفير” عادةً ما يكون تعبئةً جماعيةً قصيرة الأمد استجابةً لحالة طوارئ محددة، توفّر شبكاتُ القرابة والروابطُ الاجتماعية شبكةَ أمانٍ مستمرّة. فهي آلياتُ دعمٍ علائقية تقوم على روابط الدم والصلات الاجتماعية.وتتركّز جهودُ النفير حول أحداث بعينها، وغالبًا ما تُنظَّم عبر وسائل التواصل الاجتماعي أو من خلال قيادات المجتمع لتشكيل فرقٍ مخصصة لمهامٍ مثل تنسيق عمليات الإنقاذ وتوزيع الغذاء. من ناحيةٍ أخرى، غالبًا ما يكون دعم القرابة لامركزيًا وشخصيًا، ويحدث بين الأسر بطرقٍ غير رسمية وغير مرئية. كما يتميز كلا النظامين بمرونةٍ وقدرةٍ فائقةٍ على التكيف. وقد شكّلت هذه الأنظمة الاجتماعية شرايينَ حياةٍ أساسية منذ اندلاع الحرب في أبريل/نيسان 2023. ل
الاستجابات المحلية على أرض الواقع: أمثلة عملية
من الأمثلة الحية على دور النفير في الاستجابة للأزمات ما حدث خلال فيضانات الخرطوم عام ٢٠١٣. فعندما هطلت أمطار غزيرة ودُمّرت آلاف المنازل، سارع متطوّعون سودانيون إلى التحرّك قبل وصول أيّ مساعداتٍ رسمية. وتشكّلت على نحوٍ عفوي مجموعةٌ يقودها متطوّعون تحت مسمّى «نفير»، مستغلين وسائل التواصل الاجتماعي لتنسيق المساعدة. وخلال أيامٍ قليلة، أصبح لديهم “مركز عمليات” يعجّ بمئات الشبان والشابات الذين يقومون بفرز موادَّ الإغاثة، وتحديد الاحتياجات، وإرسال المساعدات. دعمت المبادرةُ أكثرَ من 70 ألف متضرّرٍ من الفيضانات، حيث وفرت لهم الطعام والمأوى ومستلزمات الطوارئ. ورغم محدودية الموارد، عبّأت الشبكاتِ المحلية لإيصال العون. ل
عندما اجتاحت المعارك الخرطوم، فرّ صديقٌ مع أسرته إلى جارٍ قديم في ولاية الجزيرة. “مكثتُ هناك قرابة ستة أشهر قبل أن أنتقل إلى ولاية أخرى. ورغم أن كثيرين ممن نزحوا إلى نفس الحي كانوا يدفعون إيجارات، إلا أن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة لي. وقد ساعدني ذلك فعلًا على التركيز على ترتيبات الانتقال وإيجاد عملٍ آخر“.ل
مع استمرار النزاع، وجد مئات الآلاف من النازحين السودانيين مأوى لدى أقاربهم وأصدقائهم، بل وحتى غرباء. وارتفع عدد أفراد بعض الأسر إلى ضعفين أو ثلاثة أضعاف بين عشية وضحاها. ونظّمت المجتمعات وجبات جماعية وتشاركت المياه، فيما أرسل الأقارب في الخارج تحويلات مالية لتتمكن الأسر من شراء الضروريات. وقد وفّرت شبكات القرابة والروابط الاجتماعية الأوسع دعمًا بسرعةٍ ونطاقٍ لن تستطع أيُّ وكالةٍ دوليةٍ مجاراتها.ل
التحديات التي تواجه الجهات الإنسانية الدولية ودعوة إلى التكيّف
على الرغم من التقدّم الملحوظ في أجندة التوطين منذ اندلاع الحرب، لا تزال تحدّياتٌ وأخطاءٌ شائعة تتكرّر في الممارسة. على سبيل المثال، لا تزال العديد من البرامج الدولية تعمل بمنطقٍ هرميٍّ من أعلى إلى أسفل، متجاهلةً كيفية عمل “النفير” والقرابات على أرض الواقع. ويتمثّل أحدُ الإشكالات في نقص الفهم؛ إذ إنّ الديناميات الاجتماعية المعقّدة الكامنة وراء هذه الظواهر ليست يسيرة الاستيعاب، وقد يدفع ذلك الفاعلين الخارجيين—من غير قصد—إلى تهميش ما تقوم به المجتمعات بالفعل أو تكراره. وقد تُنشئ وكالاتٌ دولية لجانَ إغاثةٍ موازيةً أو جهاتٍ وسيطةً تتحكّم في الوصول فتزاحم مجموعاتِ المتطوّعين القائمة، أو تُصمِّم آلياتٍ لتوزيع المساعدات تتجاهل أنماطَ التشارك الأُسَري. ل
من الشكاوى المتكررة أيضًا بطء منظمات الإغاثة الكبيرة وعدم مرونتها. فهي كثيرًا ما تشترطُ إجراءاتٍ ورقيةً مُرهِقة أو تتمسّكُ ببروتوكولاتِها الخاصة، ممّا يثقل كاهلَ المتطوّعين المجتمعيين ويؤخّر إيصالَ المساعدة. وفي المقابل، تدفعُ مخاوفُ الثقةِ والمخاطرُ المانحين إلى فرضِ ضوابطَ صارمةٍ عند تمويلِ المجموعاتِ المحلية، وهو ما ينتهي بتحميلِ المتطوّعين أعباءً غيرَ متكافئة. فعلى سبيل المثال، طلب تقارير مُفصلة من لجنة غرفة للطوارئ تعمل في الفاشر، ما قد يعني أن أعضاءَها يعرّضون حياتَهم للخطر أثناء جمعِ تلك التقارير. ي
يتعيّن على الفاعلين الدوليين التكيّف للحفاظ على الفعالية في الاستجابة الإنسانية للسودان. سواءً كان ذلك مدفوعًا بتخفيضات التمويل الضخمة والدعوات لإعادة هيكلة العمل الإنساني، أو ببيئة العمل المعقدة للحرب والاحتياجات الميدانية الشديدة، فإن الوضع الراهن لم يعد كافيًا. وتشمل المبادئ الرئيسية لتكييف المساعدات الدولية مع هذه الحقائق ما يلي:ل
اعتماد نماذج شراكة أبسط قائمة على الثقة. قدِّموا تمويلًا مرنًا ودعمًا بأقل قدرٍ من البيروقراطية، مع الأخذ في الاعتبار السجل الحافل الذي أظهرته المجموعات المحلية منذ اندلاع الحرب، وأن مجموعات أخرى لا تزال خارج نطاق الرصد. ومن الجدير بالذكر أن بعضالمنظمات الدولية غير الحكومية تبنّت بالفعل القيادةَ المجتمعية.غير أنّ هذا النهج يحتاج إلى تعميمٍ على مستوى القطاع بأكمله عبر الاستثمار في فهم «النفير» والشبكات الاجتماعية وسائر الظواهر السوسيولوجية التي تسند استجابةَ المجتمعات السودانية للأزمة، وكذلك فهم تبعات تفاعلها مع القطاع الإنساني. لا
إعطاء الأولوية لحماية وتمكين الجهات الفاعلة المحلية. موِّلوهم مباشرةً، وأعطوهم أدوارًا في صنع القرار وإسنادًا تشغيليًا، واجعلوا ذلك ظاهرًا للعيان عبر خططٍ مُشتركةِ الصياغة، واحرصوا على سلامتهم كي يتمكّنوا من مواصلة تقديم المساعدة. ل
مع استمرار الحرب والأزمة الإنسانية في السودان، تنبعُ أعظمُ مصادر الصمود والإغاثة للناس من داخل المجتمع السوداني نفسه، عبر تقاليد مثل «النفير» وروابط القرابة والشبكات الاجتماعية. ويشمل ذلك حركةَ العودة التي نشهدها مؤخرًا في الخرطوم ومناطق أخرى. ورغم أن المساعدات الدولية تظلّ حيوية، فإن عليها أن تُقرّ بأنها مجردُ جزءٍ من المشهد، وأن تعيدَ تعريفَ دورها بحيث يدعم شرايينَ الحياة المحلية بدلًا من أن يطغى عليها. في مواجهة معاناة غير مسبوقة، لم تنتظر المجتمعات السودانية الخلاص، بل أصبحت خلاص بعضها البعض. والسؤالُ الحقيقي الآن ليس ما إذا كان ينبغي «توطينُ» العمل الإنساني، بل كيف نُقيم الشراكةَ مع الاستجابات السودانية الأصيلة ونُعزّز أثرَها. إن قوةَ النفير وروابطِ القرابة والشبكاتِ الاجتماعية ضروريةٌ لـ«إعادة ضبط» العمل الإنساني في السودان